
تتحدد إحدى إشكاليات التلقي الفكري في ميل القراءة المعاصرة إلى إعطاء الأولوية للرمز الفاعلي على حساب المساءلة المنهجية للأنشطة المعرفية، وفي سياقنا الراهن، تظهر هذه الإشكالية عبر اختزال الأطروحات الفلسفية، والتحليلية في النماذج الشارحة الشائعة، كالتجربة الصدمية لدى «صادق النيهوم»، دون التمييز الدقيق بين البنى الإبستمولوجية ووسائل الاشتغال المنهجي.
إذ يتأسس «مشروع النيهوم» على أسلوب المقالة السجالية، والقطيعة التعبيرية التي تخاطب الفضاء العام، بينما يتأسس الاشتغال التحليلي، كما يتجلى عند «نجيب الحصادي»، على صرامة التحليل المنطقي، وفلسفة العلوم، وتفكيك المفاهيم عبر المساءلة المفهومية الهادئة، ومن ثم فإن قسر المشروع التحليلي في السياق السجالي يمثل إزاحة للمنهج التحليلي من بيئته المعرفية الأصيلة؛ حيث تستند هذه النمذجة المعتمدة إلى سياقات ثقافية تميل إلى البحث عن المرجعية وحضور الفاعل بدلاً من فحص المتن، وفي لحظات التحول الفكري، يصبح حضور الرمز حيلة لتغطية الفجوات المفهومية وتأجيل فحص المناهج، وعلى خلاف سياقات تعتمد التراكم المؤسسي في تقييم الأفكار، تنشأ بعض التلقيات المعرفية عن انطباعات وجدانية تمنح المتن حصانة من النقد المفهومي.
إنّ إضفاء الطابع الرمزي المطلق على الباحث أو الفيلسوف يحدّ من ديناميكية مشروعه القائم على إعادة القراءة والشك المنهجي، مما يحيل المنهج إلى بناء نظري مغلق بدلاً من كونه أداة للتحليل والنظر ولا يتأتى تجاوز هذه الحالة إلا بالانتقال المنهجي من التركيز على الفاعلين إلى الاشتباك المباشر مع المناهج والمفاهيم

