من فعالية رمزية إلى مشروع وطني.. هل يتحقق الرهان؟ اطلاق أول يوم وطني لإبداع ذوي الهمم في طرابلس
فائزة العحيلي

ليستْ الإعاقة عجزًا بقدر ما هي اختلافٌ في الوسيلة، واختبار حقيقي لمدى نضج المجتمعات وقدرتها على احتواء جميع أفرادها دون استثناء. فذوو الهمم لا يقفون على هامش الحياة بل في قلبها يحملون طاقات كامنة وإمكانات إبداعية تنتظر فقط بيئة عادلة تنصفهم وتفتح أمامهم أبواب التعبير والمشاركة. ومن هنا لم يعد الحديث عن هذه الفئة ترفًا إنسانيًا أو خطابًا عاطفيًا بل أصبح ضرورة تنموية وأخلاقية تقاس بها مؤشرات التقدم الحقيقي للدول ويُبنى عليها مستقبل أكثر شمولًا وعدالة.
وفي ليبيا؛ حيث تتقاطع التحديات الاجتماعية والاقتصادية تبرز الحاجة الملحة إلى مبادرات نوعية تعيد الاعتبار لهذه الفئة وتنتقل بها من دائرة الرعاية التقليدية إلى فضاء التمكين الفعلي. فتمكين ذوي الهمم لا يتحقَّق بالشعارات بل عبر سياسات وبرامج عملية تتيح لهم التعليم الجيد والاندماج الثقافي والمشاركة في الحياة العامة بوصفهم شركاء لا متلقين.
خطوة
وفي هذا السياق شهدتْ العاصمة طرابلس صباح الثلاثاء الموافق 21 أبريل 2026، تنظيم فعاليات )اليوم الوطني لإبداع التلاميذ من ذوي الهمم( في خطوة تعد الأولى من نوعها على المستوى الوطني وتعكس توجهًا جادًا نحو ترسيخ ثقافة الدمج التربوي وتعزيز حضور هذه الفئة في المشهد الثقافي والتعليمي.
مشاركة واسعة
وقد احتضن مسرح الهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون هذه الفعالية بحضور لافت لقيادات تربوية وثقافية يتقدمهم رئيس مصلحة التفتيش والتوجيه التربوي، ووكيل وزارة الثقافة إلى جانب مديري الإدارات المختصة وعدد من المسؤولين والمهتمين بالشأن التعليمي. كما شهدت الفعالية مشاركة واسعة من المؤسسات التعليمية والمراقبات التربوية في مشهد يعكس حجم التنسيق والتكامل بين الجهات المعنية.
مبادرة
وتأتي هذه المبادرة ضمن تنفيذ خطة عمل «100 يوم»، وبشراكة فاعلة بين مصلحة التفتيش والتوجيه التربوي، والهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون وإدارة اندماج الفئات الخاصة بوزارة التربية والتعليم في إطار رؤية تسعى إلى إعادة صياغة موقع ذوي الهمم داخل المنظومة التعليمية، بوصفهم طاقات منتجة وقادرة على الإبداع.
عروض متنوعة
وقد تميز ت الفعالية بتقديم عروض فنية وثقافية متنوعة، شملتْ المسرح والرسم والموسيقى؛ حيث أبدع التلاميذ المشاركون في تجسيد مواهبهم، مقدمين رسائل إنسانية عميقة تؤكد أنَّ الإبداع لا تحدّه إعاقة بل يولد من رحم التحدي. ولم تكن هذه العروض مجرد فقرات احتفالية بل شكلت خطابًا بصريًا حيَّا يعكس قدرة هذه الفئة على الحضور والتأثير متى ما توفرت لها المساحة المناسبة.
الهدف
ووفقًا للجهات المنظمة فإنَّ الهدف من إقامة هذا اليوم الوطني لا يقتصر على إبراز المواهب بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ مفهوم الدمج التربوي وتعزيز ثقة التلاميذ بأنفسهم، ولفت انتباه صُنَّاع القرار إلى أهمية الاستثمار في قدراتهم. كما يسعى الحدث إلى خلق منصة سنوية مستدامة تعنى باكتشاف وصقل إبداعات ذوي الهمم وتحويلها إلى قصص نجاح ملهمة داخل المجتمع.
تمكين
يمكن القول إنَّ هذه المبادرة تمثل تحولاً نوعيًا في الخطاب الرسمي تجاه ذوي الإعاقة؛ حيث تنتقل من منطق الرعاية إلى فلسفة التمكين، ومن النظرة النمطية إلى الاعتراف الحقيقي بالقدرات. كما تعكس إدراكًا متزايدًا بأن التنمية الشاملة لا يمكن أن تتحقق دون إشراك جميع الفئات وعلى رأسها الفئات التي ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام الكافي.
الرهان
غير أنَّ نجاح هذه الخطوة يظل مرهونًا بمدى استمراريتها وتحويلها من فعالية رمزية إلى مشروع وطني متكامل، تدعمه السياسات والتشريعات، وتواكبه برامج تدريب وتأهيل مستدامة. فذوو الهمم لا يحتاجون إلى مناسبات عابرة بقدر ما يحتاجون إلى منظومة متكاملة تضمن لهم فرصًا متكافئة في التعليم والعمل والإبداع.. وفي المحصلة، يبعث )اليوم الوطني لإبداع التلاميذ من ذوي الهمم( برسالة واضحة مفادها أن المجتمع الذي ينصت لاختلافه هو وحده القادر على صناعة مستقبله. وأن الإبداع، حين يجد من يؤمن به، لا يعرف حدودًا.. ولا يعترف بعوائق.


